الإمام الحسين بن علي، عليهما السلام، ليس مجرد شخصية تاريخية تُستعاد فيها مشاهد الحزن والمأساة، بل هو منارة إسلامية خالدة، ومدرسة متكاملة تنهض بالأمة متى أحسنت فهمه. إن قصر إحياء ذكراه على مظاهر البكاء واللطم دون استيعاب جوهر ثورته هو من أخطر ما يُضيّع الحق في الباطل، ويُفرغ التضحية من مضمونها.
الحسين خرج ليُصحّح مسار أمةٍ انحرفت، وليُعيد للإسلام نقاءه من البدع والتحريفات التي أراد الظلمة إلصاقها به. لذلك، كان شعاره الصريح: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”. وهذا وحده يكفي لنفهم أن دراستنا لمنهجه يجب أن تقدح في ضمائرنا روح الإصلاح، لا أن تقف عند حدود العاطفة الوقتية.
إن نسيان دم الظالمين الذي سُفح في كربلاء، والتعامل مع المأساة وكأنها قدرٌ محتوم للبكاء فحسب، هو خيانة غير مقصودة لتلك التضحية. فالحسين لم يمت ليبقى الناس في ذلٍ واستكانة ينتحبون عليه، بل ليموتوا في أنفسهم موتة الضعف، ويولدوا من جديد بعزيمة نُصرة الحق.
اليوم، أشد ما تحتاجه ضمائرنا أن ننصحها بصدق: أن ننصر الإنسان المظلوم أينما كان، وأن نحمي الإسلام من البدع التي تُفرّق ولا تجمع، وأن نستبدل باللطم الظاهر فعلاً إصلاحياً يُغيّر واقع الفساد. حينها فقط يكون البكاء على الحسين عِبْرةً لا عادة، وتكون ذكراه ثورةً متجددة، لا شعاراً أجوف.