خالدیاسین الطائي
الدهشةُ كلُّ الدهشةِ أن يُعظِّم الإنسانُ أثرَ الصنعةِ ويغفلَ عن صانعها، وأن يطوفَ حول أبواب الخلقِ يستجديهم نورًا، وفي يده مفتاحُ بابٍ لا يُغلَق، بابِ الخالقِ الذي لا يَخيبُ من قصده. ما أعجبَ قلبًا ينسى من سوّاه، ويسترضي ترابًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ثم يمضي في الحياة متكئًا على سرابٍ يذوبُ عند أول نفخةِ ريح. وما أبلغَ الحسرةَ حين يلتفتُ المرءُ حوله فلا يرى إلا آثارًا باهتةً لرحمةٍ كان يمكنه أن ينالها من منبعها الأصيل. إنّ أعظمَ الغفلةِ أن يُنسى الخالقُ في زحمةِ الخلق، وأن يُهملَ الأصلُ ويُتَّخذَ الفرعُ سندًا، وأن يُستبدَلَ القادرُ بمن لا يملك من القدرةِ إلا ما أذن له بها ربُّ القدرةِ كلِّها. وما أبهى لحظةَ اليقظةِ حين يعودُ القلبُ إلى ربّه، فيدركُ أنّ كلَّ جمالٍ في الكونِ إنما هو ظلٌّ من جماله، وكلَّ رحمةٍ في الخلقِ إنما هي قطرةٌ من بحرِ رحمته. فيا لرفعةِ من عرف ربَّه، ويا لسعادةِ من لم ينسَ الخالقَ في زحمةِ الخلق، ويا لسموِّ من جعل وجهته إلى من إذا أعطى أدهش، وإذا منعَ لطف، وإذا دعا عبده قال له: أنا أقربُ إليك من كلِّ ما قصدتَ سواي.