وداعٌ صنعَ التاريخ؛ روايةُ تلاحُمِ الأُمّةِ اللامحدود

المؤلف: محمد علي أحمدي


الملخّص

لم يكن حدثُ تشييع ودفن السيد علي الخامنئي، القائد الشهيد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في تير ١٤٠٥ (تموز/يوليو ٢٠٢٦) مجرّد طقسٍ عزائيّ، بل كان ملحمةً فريدةً للتلاحم العميق للأمة الإسلامية والشرعية الشعبية لنظام ولاية الفقيه. يتناول هذا البحث، بمنهجٍ متعدّد التخصصات واعتماداً على المصادر الإخبارية الداخلية والصدى الواسع لوسائل الإعلام العالمية، أبعاد هذا الحدث العابر للحدود. والسؤال المحوري هو: كيف تمكّن هذا الوداع العظيم، عبر العفوية الشعبية، والوظائف الهوياتية، ورمزية المقاومة، والروابط العابرة للحدود، من التحوّل إلى رمزٍ لوحدة الأمة، وما هي الرسائل التي يحملها لمستقبل النظام الإسلامي ومحور المقاومة؟ تشير النتائج إلى أن هذا التشييع، بحضور عشرات الملايين من الناس في إيران والعراق، شكل أحد أعظم التجمعات في التاريخ. وبينما جدد بيعة الأمة لمُثُل الثورة، أكّد بحزمٍ على استمرارية طريق المقاومة ورسوخ نظام الجمهورية الإسلامية. علاوةً على ذلك، فإن غياب القائد الجديد، مجتبى الخامنئي، الواعي والمدبّر في هذه المراسم، لا يُفسّر على أنه غموض، بل هو تجسيدٌ عينٌ للحكمة الأمنية وصيانة مبدأ القيادة في الظروف الحساسة ما بعد الحرب، وهو ما يعبّر عن عقلانية مؤسسة الولاية في الجمهورية الإسلامية.

الكلمات المفتاحية: تشييع, السيد علي الخامنئي, التضامن الإسلامي,محور المقاومة, ولاية الفقيه, الشرعية الشعبية, الأمة الواحدة.,


١. المقدمة

“لطالما تشكّل التاريخ بتوديع العظماء، لكنّ هذا الوداع أحياناً يتحوّل إلى بداية ملحمةٍ جديدة. فشهادة رجال طريق الله ليست نهاية، بل هي نفخ روحٍ جديدة في جسد الأمة.”

في تير ١٤٠٥ (تموز ٢٠٢٦)، شهدت إيران العزيزة، بعد حربها الأربعينية مع تحالف الاستكبار العالمي، واحداً من أبهى طقوس العزاء في التاريخ المعاصر. نال السيد علي الخامنئي، القائد الحكيم الذي قاد سفينة الثورة من عام ١٣٦٨ إلى ١٤٠٥ (١٩٨٩-٢٠٢٦) عبر عواصف لا تُحصى، درجة الشهادة الرفيعة في الغارات الجوية لتاريخ ٩ إسفند ١٤٠٤ (٢٨ فبراير ٢٠٢٦)، وتحولت مراسم تشييع جثمانه بعد أربعة أشهر إلى “تشييع القرن”.

يسعى هذا البحث إلى تمحيص هذا الحدث العظيم، لا كخبر عابر، بل كمرآة شاملة لإرادة الأمة وعظمة نظام الولاية. والسؤال الجوهري هو: كيف تمكّن هذا الوداع الفريد، على مستويات العفوية الشعبية، والوظائف الهوياتية، والرمزية السياسية، والروابط العابرة للحدود، من التحوّل إلى “تلاحم الأمة اللامحدود”، وما هي الرسائل الاستراتيجية التي يحملها هذا التلاحم لمستقبل النظام الإسلامي ومحور المقاومة والنظام الإقليمي؟

للإجابة عن ذلك، تم الاستعانة بمجموعة غنية من المصادر: التقارير التحليلية لوسائل الإعلام الداخلية (إرنا، مهر، تسنيم)، وصدى وسائل الإعلام الدولية (بي بي سي، تايم، نيويورك تايمز، رويترز، الأهرام)، ووثائق اللجنة المنظمة، والبيانات الميدانية. وتعتمد طريقة البحث على تحليل المحتوى النوعي وتحليل الخطاب الرمزي للحدث.

بعد هذه المقدمة، سيتناول القسم الثاني وصف الأبعاد الكمية والنوعية للحدث. وسيحلل القسم الثالث الحضور العفوي والعابر للحدود للأمة، خاصة من العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وتركيا، كمحور رئيسي للتلاحم. وسيحلل القسم الرابع الوظائف الشرعية والرمزية السياسية لهذا الطقس، وسيتطرق القسم الخامس إلى التدبير الذكي لغياب القائد الجديد كتجلٍ لعقلانية النظام. وأخيراً، ستلخص الخاتمة الرسائل الخالدة لهذا الحدث.


٢. وصف الحدث: تشييع في سبع مدن وسبع سموات

٢-١. العودة إلى الثرى؛ تخطيط دقيق وعظمة لا تُضاهى

وفقاً لإعلان لجنة التكريم، أقيمت مراسم الوداع والتشييع والدفن للجثمان الطاهر للسيد علي الخامنئي من ١٣ إلى ١٨ تير ١٤٠٥ (٤-٩ يوليو ٢٠٢٦) في مدن طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد. وقد أظهر هذا التخطيط السباعي، الذي عُرف مسبقاً بـ”تشييع القرن”، إدارة جهادية وشعبية في أكبر حدث عزائي في العالم.

سجل الآلاف من المواكب، وتهيئة سعة إيواء لأكثر من مليون شخص، وتصميم “ممر حضري” في طهران، كل ذلك دلّ على العزم الوطني لتكريم مقام القائد الشهيد. وقد خلّد فيلق محمد رسول الله (ص) بطهران والمؤسسات الثورية الأخرى، بالتعاون مع الحكومة، مشهداً خالداً لتنسيق مؤسسات النظام.

٢-٢. طهران؛ وداع الأمة الحاشد

يوم الجمعة، ١٢ تير (٣ يوليو)، أقيمت مراسم التكريم الرسمي لقادة ومسؤولي الدول المختلفة وكبار الأديان والمذاهب في طهران. ثم في يومي السبت والأحد، وُضع الجثمان الطاهر في مصلى الإمام الخميني (ره)، وتوافد الملايين لأداء الصلاة والوداع.

كان مصلى طهران ملتقى الدموع والملاحم. قالت نفيسة سادات صدری (٣٠ عاماً) لشبكة CNN: “أحببته أكثر من والدي. أشعر باليتم؛ هذا الحزن أشعل النار في قلبي.” وفي الوقت نفسه، ملأت هتافات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” أجواء المراسم بروح الثأر. وأكّد عبد الله أبی‌پور (٤٥ عاماً): “أؤكد لكم أننا لن نمنح [دونالد ترامب] أي راحة حتى نأخذ بثأر قائدنا.”

تحرك موكب التشييع من ميدان الإمام الحسين (ع) شرقاً إلى ميدان الحرية غرباً، على مدى ثلاثة أيام، بطول ١٠ كيلومترات، وسط بحر من المعزين. ورغم أن الازدحام تسبب في توقفات متكررة، إلا أنه أظهر حب الناس اللامحدود لولي أمرهم.

٢-٣. قم، النجف، كربلاء، مشهد؛ تشييع في رحاب الأمة

بعد طهران، نُقل الجثمان إلى قم، وأظهرت الصور الجوية التي بثها التلفزيون ازدحاماً نادراً في شوارع هذه المدينة المقدسة.

كان نقل الجثمان إلى العراق استجابةً لطلب الجماعات العراقية الحاشد، وتأكيداً على الأبعاد العابرة للحدود للثورة الإسلامية. أعلنت السلطات العراقية يوم الأربعاء ١٧ تير (٨ يوليو) عطلة رسمية، ووفقاً للتقارير، شارك نحو ٧ ملايين شخص في كربلاء ومليونان في النجف، وهو ما يدلّ بذاته على عظمة محور المقاومة في قلب العالم الإسلامي.

أخيراً، يوم الخميس ١٨ تير (٩ يوليو)، وُري الجثمان الطاهر الثرى في الروضة المطهرة للإمام الرضا (ع) في مشهد، مسقط رأس القائد الراحل. الروضة التي تستقبل سنوياً ملايين الزوار، استضافت هذه المرة حشوداً فريدة لوداع خالد.


٣. التلاحم اللامحدود؛ الملحمة العفوية للأمة

٣-١. العفوية الشعبية؛ ملحمة من الإيمان

كان التميز الرئيسي لهذا الحدث هو الحضور الشعبي العفوي غير المسبوق، حيث توافد الناس إلى مسار الموكب ليس بأمر، بل من أعماق الضمير والعاطفة. كان هذا الحضور ثمرة سنوات من الثقة المتبادلة بين القائد والأمة.

غطت وسائل الإعلام العالمية، من CNN إلى الغارديان والإندبندنت، “الحضور المليوني”. وكتبت الغارديان أن الحشود في مصلى طهران يوم الأحد كانت “أكبر بشكل ملحوظ من يوم السبت”، وأن الكثيرين مكثوا في المسجد الليلة السابقة أو وصلوا إلى موقع المراسم ساعات قبل شروق الشمس.

في شوارع مشهد وطهران وقم وغيرها، تجلت مشاهد لا تتخيل إلا في الأحلام: شيوخ قطعوا مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام، وأمهات يحملن أطفالاً صغاراً على أكتافهن، وشباب أمضوا الليل على جوانب الطرق حتى الصباح. أثبت هذا الحضور المتواضع أن هذا الوداع لم يكن “تكليفاً”، بل حاجة داخلية للتعبير عن الوفاء لمُثُل الثورة السامية.

تحدث المنظمون عن حضور ٢٠ إلى ٣٠ مليون شخص في مراسم طهران وقم ومشهد والعراق، وأفادت وسائل الإعلام الرسمية بإقبال يتراوح بين ١٢ و ٢٠ مليوناً. ورغم الجدل حول هذه الأرقام، فإن حتى أقل التقديرات تضع هذا الحدث ضمن أكبر التجمعات في التاريخ المعاصر؛ حدث كان بمثابة خاتم قبول الشعب على نظام الولاية.

٣-٢. القافلة الدولية؛ أمة واحدة في عزاء قائدها

كان الجانب الأكثر بهاءً في هذا الوداع هو الحضور الواسع والمؤثر للأمم المجاورة والمشتركة في العقيدة. شارك الملايين من العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وتركيا وأجزاء أخرى من العالم في مراسم التشييع في طهران وقم وخاصة العراق.

  • أهل العراق، الذين عانوا الكثير، رغم المسافة والتكاليف، توافدوا إلى المراسم ليُظهروا أن خط المقاومة لا يعرف الجغرافيا. كان حضور ٩ ملايين شخص في النجف وكربلاء تأكيداً لهذا الارتباط العميق.
  • أهل أفغانستان، الذين قاسوا ليالي الاحتلال المظلمة لسنوات باسم هذا القائد وذكره، حزنوا على رفيق دربهم بعيون دامعة، وشارك وفد رسمي من هذا البلد في المراسم.
  • أهل لبنان وباكستان أظهروا ولاءهم لمحور المقاومة بحضورهم المكثف في طهران.

أثبت هذا الحشد العابر للحدود أن السيد علي الخامنئي لم يكن ملكاً لإيران وحدها؛ بل كان حامل لواء عالمياً رفع راية العزة ومحاربة الاستكبار عالياً حتى أضاء آفاقاً أبعد من الحدود الفارسية.

٣-٣. عهد جديد في إطار الدموع والملاحم

كان أعمق طبقات هذا الحدث هو مفهوم “تجديد العهد” بين موجات الحشود الهائلة. لم يكن هذا الحضور لمجرد التعاطف؛ بل كل من بلغ الجثمان الطاهر كان يهمس لقائده الشهيد: “سنبقى ثابتين على الطريق الذي دعوت إليه وعشت عليه.”

في عيون الناس، كانت نشجة عميقة تتحدث عن الوفاء، وفي خطواتهم الثابتة، كانت إرادة حديدية لمواصلة طريقه الشاق واضحة. حملت النساء بالعباءة السوداء صور آية الله الخامنئي ولوحن بالأعلام الحمراء رمز الثأر. هذا التقاطع المذهل بين “الدموع والملاحم” يروي الحقيقة الخالدة بأن ذكرى الشخصيات المؤثرة لا تنحصر أبداً في حدود الزمان والمكان، بل تخلد في ذاكرة الأمم والأجيال.


٤. الرمزية السياسية؛ عرض للشرعية والمقاومة

٤-١. التشييع كاستفتاء شعبي للنظام الإسلامي

قيّم المحللون السياسيون هذا الطقس العظيم بأنه أبعد من مجرد مراسم دينية، بل هو استفتاء شعبي حي للجمهورية الإسلامية. قالت نگار مرتضوی، الباحثة البارزة، لتايم: “تشييع آية الله الخامنئي أبعد بكثير من مجرد طقس ديني. الرسالة هي أنه بالرغم من رحيل القائد، فإن مؤسسات الجمهورية الإسلامية لا تزال قائمة والحكومة مستمرة.”

كما أكد إمام جمعة قم، آية الله محمد سعيدي، أن هذه المراسم هي استفتاء آخر للجمهورية الإسلامية. هذا التعبير يدل على الرابط الوثيق بين الأمة والنظام، والشرعية الإلهية-الشعبية لولاية الفقيه في الظروف الحرجة التي أعقبت الحرب واستشهاد القائد.

كتبت مجلة تايم في تحليلها أن هذا التجمع التاريخي صُمم لتقديم تأكيد قوي للجمهورية الإسلامية وإظهار الوحدة الوطنية رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية. كما وصفته بي بي سي بأنه “مصمم بعناية” و”سياسي للغاية”، حيث يرسل قادة إيران الجدد رسالة قوة ومقاومة.

٤-٢. تشييع الخامنئي مقارنة بتشييع الخميني (ره)

تُظهر مقارنة هذا الحدث بتشييع مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني (ره)، في خرداد ١٣٦٨ (يونيو ١٩٨٩)، استمرارية نموذج فعال في النظام الإسلامي. كان تشييع الإمام الخميني مصحوباً بازدحام غير مسبوق واضطراب في الدفن، لكن تشييع الخامنئي، بتخطيط أكثر دقة واتساعاً، أقيم في سبع مدن على مدى سبعة أيام وتفوق عليه من حيث السعة وتنوع الأماكن.

ومع ذلك، فإن التشابه الوظيفي بين الحدثين يعبر عن عقلانية مؤسسة القيادة في عبور الأزمات. صُمم تشييع الخميني أيضاً لإظهار استمرارية القيادة وشرعية النظام بعد رحيل المؤسس، وأدى تشييع الخامنئي هذه الوظيفة نفسها، لكن في ظروف أكثر تعقيداً بكثير (حرب شاملة، عقوبات، استشهاد العشرات من كبار المسؤولين)، مما أثبت بشكل فعال استقرار النظام النموذجي للعالم.

٤-٣. رسالة المقاومة والثأر؛ صرخة المظلومين في العالم

امتزجت أجواء المراسم بهتافات المقاومة والثأر الحماسية ضد أمريكا وإسرائيل. أفادت الإندبندنت أن “الغضب تجاه أمريكا والنظام الإسرائيلي يغلي بين حشود المعزين الهائلة في إيران”، وكتبت الغارديان أن “العزاء امتزج بدعوات الثأر”.

غيرت الأعلام الحمراء رمز الثأر لون الحشود، وشوهدت ملصقات تحمل صور ترامب ونتنياهو وفانس بين الناس. وفي أحد المقاطع، كان المعزون على جسر يرشقون صورة الرئيس الأمريكي بالحجارة. هذا الجو المليء بالغضب والثأر أظهر بوضوح وظيفة التعبئة للنظام لاستمرار روح الجهاد والمقاومة في المجتمع الإيراني.

كتبت بي بي سي في تحليلها أن موكب التشييع تقدم بشعار “يجب أن ننهض” و”الأعلام الحمراء للثأر”، في جو من “الغضب الناجم عن اغتيال القائد”. هذا الغضب لم يكن يغلي فقط بين الجماهير، بل أيضاً في الصفوف العليا للنظام، لدرجة أن أكثر العناصر تشدداً استنكرت أي تفاوض مع فريق ترامب، وهو ما يعد في حد ذاته إجماعاً وطنياً على المثل المناهض للاستكبار.


٥. غياب الخليفة؛ تدبير حكيم وليس تحدياً

٥-١. مجتبى الخامنئي؛ قيادة في ظل التدبير الأمني

رغم بهاء هذا الطقس الفريد، يُفسّر غياب مجتبى الخامنئي، ابن القائد الشهيد والخليفة الجديد، ليس كضعف، بل كدليل على العقلانية الأمنية للنظام والحماية الشاملة لمبدأ الولاية.

مجتبى الخامنئي، الذي عُين كقائد ثالث للجمهورية الإسلامية في أوائل إسفند ١٤٠٤ (أواخر فبراير ٢٠٢٦)، لم يظهر في العلن منذ البداية بسبب ظروفه البدنية الخاصة الناتجة عن الهجمات الإرهابية والاعتبارات الأمنية المشددة. أفادت التقارير أنه أصيب بجروح بالغة و”ربما شوه” في نفس الهجوم الذي استشهد فيه والده. كما أفادت رويترز في أبريل ٢٠٢٦ أن مجتبى الخامنئي يعاني من “جروح شديدة ومشوهة”.

لكن ما يجعل هذا الغياب عين التدبير، هو تركيز النظام على الحماية الجسدية للقيادة باعتبارها “أمانة إلهية” و”قلب الثورة النابض”. صرّح علي أكبر بورجمشيديان، سكرتير لجنة مراسم الدفن، في مؤتمر صحفي يوم ٩ تير (٣٠ يونيو) بأن مسألة حضور مجتبى الخامنئي “خارج نطاق صلاحيات اللجنة”، وهو ما يشير بحد ذاته إلى فصل المهام التنفيذية عن الحماية الاستراتيجية لمؤسسة القيادة.

٥-٢. الدلالات السياسية للغياب؛ تأكيد على المؤسسة وليس الفرد

خلافاً للتفسيرات السطحية لوسائل الإعلام الغربية، لم يكن غياب القائد الجديد في أكبر حدث سياسي-ديني “فراغاً”، بل رسالة واضحة حول مؤسسية الولاية في الجمهورية الإسلامية. في نظام تعتمد شرعيته على الإسلام وأصوات الشعب، تكون الأولوية لاستمرار كفاءة النظام، وليس للعرض الفردي.

التبريرات الرسمية بأنه لم يحضر بسبب مخاوف من هجمات إسرائيلية محتملة لا تتعارض مع حضور كبار المسؤولين الآخرين (رئيس المجلس قاليباف، وزير الخارجية عراقجي، وقائد الثورة الإسلامية اللواء وحيدي)؛ لأن حماية ولي الفقيه كأعلى سلطة في النظام يمكن التوفيق بينها وبين حضور مسؤولين آخرين في المراسم، مما يدل على عقلانية توزيع المخاطر على مستويات مختلفة من السلطة.

أبرز غياب مجتبى الخامنئي أكثر خطاب “القوة الجماعية لمؤسسات النظام” وأظهر أنه في الجمهورية الإسلامية، تشكل الحكمة الجماعية لمجلس الخبراء، والقيادة المجلسية، والتنسيق بين السلطات، بديلاً مناسباً لإدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية، وأن مبدأ الولاية لا يرتبط أبداً بفرد معين.

علاوة على ذلك، على الرغم من أن اسم الخامنئي إرث قيم، إلا أن الشرعية الحقيقية للقيادة في الإسلام تقوم على العلم والتقوى والكفاءة، وليس التوارث. نال السيد علي الخامنئي هذا المنصب أيضاً عبر سنوات من الجهاد والتدبير، وعلى خليفته أن يثبت هذا الطريق بأفعاله. لقد أظهر نظام الجمهورية الإسلامية سابقاً أنه خرج منتصراً من أزمات الخلافة، وهذه المرة أيضاً، بدعم شعبي وذكاء المؤسسات الثورية، سيجتاز هذا الطريق بنجاح.

٥-٣. حضور أفراد العائلة الآخرين؛ تعزيز الرابط الأسري بالثورة

في مقابل غياب مجتبى، حضر أبناء الخامنئي الثلاثة الآخرون (مصطفى، ميثم، ومسعود) في مراسم طهران وندبوا بجانب نعش والدهم وأفراد أسرتهم الشهداء. هذا الحضور، بالإضافة إلى تأكيده على الأبعاد الإنسانية لهذه الفاجعة العظيمة، أظهر الرابط الوثيق لعائلة الخامنئي بمُثُل الثورة، وأثبت أن دماء شهداء هذه العائلة لم تضعف النظام فحسب، بل ضاعفت العزم الجماعي لمواصلة الطريق.

في هجوم ٩ إسفند (٢٨ فبراير)، استشهد بالإضافة إلى القائد، عدد من أفراد عائلته، منهم صهره، وحفيده، وابنته (بشرى الخامنئي)، وزوجة مجتبى الخامنئي. هذه المأساة العائلية، التي أظهرت وحشية العدو الصهيوني، لم تضعف إرادة الأمة، بل زادت من تأجيج نار الثأر والوفاء في قلوب الأمة.


٦. الخاتمة؛ ملحمة تصنع المستقبل

كان تشييع السيد علي الخامنئي في تير ١٤٠٥ (تموز ٢٠٢٦) بلا شك واحداً من أكبر وأعمق الأحداث الاجتماعية-السياسية في تاريخ إيران والمنطقة المعاصر، ويمكن تحليله على ثلاثة مستويات:

أولاً، على المستوى الاجتماعي، كان عرضاً متكاملاً للتضامن الاجتماعي والهوية الجماعية للأمة الإسلامية. أثبت الحضور العفوي والمليوني للناس من كل حدب وصوب إيران وعشرات الدول الأخرى وجود رابط عميق وعاطفي تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. هذا التلاحم اللامحدود، خاصة في الحضور الواسع لأمم العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وتركيا، نقل رسالة “الأمة الواحدة” للعالم وأثبت أن خطاب المقاومة هو خطاب عالمي.

ثانياً، على المستوى السياسي الوظيفي، عمل هذا الطقس كأداة قوية لبناء الشرعية وكاستفتاء شعبي حي لنظام الجمهورية الإسلامية. في ظروف أوقعت فيها الحرب مع أمريكا وإسرائيل خسائر فادحة، وسعى الأعداء لإضعاف النظام، كشف هذا التجمع الهائل عن “استقرار النظام” و”استمرارية الطريق” للعالم، وأظهر أن شعب إيران دائم السند لولاية الفقيه. يعبر التشابه الوظيفي لهذا الحدث مع تشييع الإمام الخميني (ره) عن نموذج راسخ وفعال في الجمهورية الإسلامية لاجتياز أزمات القيادة عبر التعبئة الشعبية والاعتماد على القيم الثورية.

ثالثاً، على المستوى الاستراتيجي والأمني، فُسّر الغياب الواعي للقائد الجديد، مجتبى الخامنئي، ليس كغموض، بل كتجسيد عين للحكمة العسكرية والأمنية وتأكيد على مؤسسية الولاية. أظهر هذا الغياب أن حماية مبدأ القيادة في الجمهورية الإسلامية تسبق عرضها الفردي، وأن النظام، معتمداً على الحكمة الجماعية لمؤسساته (مجلس الخبراء، البرلمان، الحكومة، والحرس الثوري)، سيكون قادراً على إدارة أي ظروف حساسة.

في النهاية، لم يكن “الوداع الذي صنع التاريخ” مجرد نهاية عصر، بل كان فاتحة فصل جديد في تاريخ إيران والمنطقة؛ فصل يتجه، بنفس الراية، ونفس الطريق، وأمة أكثر وعياً واتحاداً، نحو آفاق النصر النهائي للمقاومة المشرقة. هذا الحدث صوّر عظمة رابط الشعب والقيادة، وفضح في الوقت نفسه عدم كفاءة التحليلات الغربية في مواجهة العمق الاستراتيجي للنظام الإسلامي.


أيها القائد العزيز البعيد عن أنظارنا!
أنت لست براحل؛ فاليوم، عيون آلاف الشباب العراقي والأفغاني واللبناني والإيراني مرآة لفكرك. روحك الطاهرة قرينة الرحمة الإلهية، وذكرك خالد في صفحات التاريخ الذهبية وذاكرة أحرار العالم.
نحن اليوم قد ودعنا ليس فقط جثمانك، بل عهدنا القديم مع مُثُلك العليا. هذا الوداع لم يكن نهاية طريق؛ بل كان عرضاً لبداية فصل جديد، بنفس الراية، ونفس المسار، وأمة هي الآن أكثر من أي وقت مضى واعية بمصيرها وموحدة.
ذكرك عزيز، طريقك مزدان بالسالكين، ومُثُلك العليا باقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *